أبو نصر الفارابي
158
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
بالمعاملة الإرادية . وقوم منهم رأوا أن الطائفة المعاملة منها هي إناثهم ، والمغالبة هي ذكورهم . وإذا ضعف بعضهم عن المغالبة جعل في المعاملة . فإن لم يصلح لا لذا ولا لذاك جعل فضلا . وآخرون رأوا أن تكون الطائفة المعاملة قوما آخرين غير ما يغلبونهم ويستعبدونهم ، فيكونوا هم المتولّين لضرورتهم ولحفظ الخيرات التي يغلبون عليها وامدادها وتزييدها « 1 » . وآخرون قالوا إن التغالب في الموجودات إنما هي بين الأنواع المختلفة ، واما الداخلة تحت نوع واحد فان النوع هو رابطها الذي لأجله ينبغي أن يتسالم . فالإنسانية للناس هي الرباط ؛ فينبغي أن يتسالموا بالانسانية ، ثم يغالبون غيرهم فيما ينتفعون به من سائرها ويتركون ما لا ينتفعون به . فما كان مما لا ينتفع به ضارا غلب على وجوده ، وما لم يكن ضارا تركوه . وقالوا : فإذا كان كذلك فإن الخيرات التي سبيلها أن يكتسبها بعضهم عن بعض ، فينبغي أن تكون بالمعاملات الإرادية ، والتي سبيلها أن تكتسب وتستفاد من سائر الأنواع الأخر ، فينبغي أن تكون بالغلبة إذ كانت الأخرى لا نطق لها فتعمل المعاملات الإرادية . وقالوا : فهذا هو الطبيعي للانسان . فأما الانسان المغالب فليس بما هو مغالب طبيعيا . ولذلك إذا كان لا بد من أن يكون هاهنا أمة أو طائفة خارجة عن الطبيعي للانسان ، تروم مغالبة سائر الطوائف على الخيرات التي بها ، اضطرت الأمة والطائفة الطبيعية إلى قوم منهم ينفردون بمدافعة أمثال أولئك ان وردوا عليهم يطلبون مغالبتهم ، وبمغالبتهم على
--> ( 1 ) وبعضهم اعتمد المغالبة والمعاملة معا .